سميح عاطف الزين
195
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بعد بعثه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يذكر - متأسفا - ، مشاركته فيها ، فالحقيقة أن ذلك كله محض إدخال على سيرة محمد ، أو محض تخيّل من أصحاب تلك السير . لقد أبوا إلّا أن يشارك محمد في حرب الفجار لأنه في عز الشباب ، فتأبى عليه شجاعته ، ويأبى عليه إقدامه إلّا أن يحضر أيام تلك الحرب ! . . والعجب ! . . كيف تتحدث تلك السير عن خلق محمد العظيم ، وعن حفاظه على سمعته وكرامته وهو في ريعان الشباب ، فلا يقرب شيئا مثل رفاقه في مكة من المتع واللذائذ . . . ثم يقولون : إنه شارك في حرب الفجار . ولم تكن حرب الفجار لتستغرق إلّا أياما من كل عام ، يعود بعدها الناس ، وأهل الحرب أنفسهم إلى ممارسة الحياة ، ومزاولة الأعمال كالمعتاد . كان يعود إلى مكة نشاطها التجاري وحيويتها في استقبال القوافل ، ورحيلها عن أرضها . وقد انتهت تلك الحرب ولها في نفس محمد أكبر الأثر : فقد كرهها ، ومقتها في أيامها . . في نفسه لوعة لانتهاك حرمة الكعبة ، وفي قلبه غصة لانتهاك حرمة الأشهر الحرم . . وشأنهما كبير عند اللّه تعالى ، وعند عباده من ذوي النفوس الصافية . وقد ظهر دور محمد البارز في وقف تلك الحرب ، والعمل على تهدئة النفوس ، حتى يتحقق الصلح بين المتقاتلين كما حصل . . وهذا طبيعي لأن ذلك ينسجم مع طبعه الإنساني ، وتطلعاته إلى تغيير الأوضاع السائدة في بيئته . وكان محمد قد بلغ بداية العشرين من عمره ، عندما دعاه الواجب للمشاركة في وقف حرب الفجار ، فأكبره قومه لرجاحة عقله ، وسداد رأيه ، وازدادوا له حبا وتقديرا .